الشيخ فخر الدين الطريحي

120

مجمع البحرين

لا يعلمون ، ومن حيث لا يحتسبون . ولطف الله بنا - من باب طلب - رفق بنا . وجاء في الحديث الله لطيف لعلمه بالشيء اللطيف ، مثل البعوضة وأخفى منها ، وموضع النشوء منها ، والعقل والشهوة للفساد ، والحدب على نسلها ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في المفاوز والأودية والقفار . فعلمنا أن خالقها لطيف بلا كيفية ، وإنما الكيفية للمخلوق المكيف ولطف الشيء يلطف لطافة من باب قرب : صغر حجمه ، وهو ضد الضخامة والاسم اللطافة بالفتح . واللطف في العمل : الرفق به . واللطف في عرف المتكلمين : ما يقرب من الطاعة ويبعد عن المعاصي ، ولاحظ له في التمكين ، ولا يبلغ الإلجاء لمنافاته للتكليف ، كالجذب من الزنا إلى مجلس العلم . وقد يكون من الله تعالى كخلق القدرة للعبد وإكمال العقل ونصب الأدلة وتهيئة آلات فعل الطاعة وترك المعصية فيكون واجبا عليه تعالى . وإما يكون فعل المكلف نفسه كفكره ونظره فيما يجب عليه ويوصل إلى تحصيله فيجب على الله أن يعرفه ذلك ويوجب عليه . وإما أن يكون فعل غيرهما من المكلفين مثل الإعانة في تحصيل مصالحه ورفع مفاسده والتأسي به في أفعاله الصالحة وإيمانه وطاعته والانزجار عن أفعاله الفاسدة اعتبارا به . فيشترط في التكليف بالملطوف فيه العلم بأن ذلك الغير يفعل اللطف . وفي الحديث لا جبر ولا تفويض ، قلت : فما ذا ؟ قال : لطف من ربك بين ذلك قيل : هو نظير قوله تعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي [ 17 / 85 ] فإن المقامات الصعبة تقتضي الاكتفاء بالإجمال فيها وترك التفصيل خصوصا مع ملاحظة كلم الناس على قدر عقولهم